محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ذلك ، فوشوا بهم إليه وقالوا : إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ، ولا يأكلون من ذبيحتك ، فدعاهم فسألهم ، فقالوا : أجل إن لنا ربا نعبده ، ولسنا نأكل من ذبيحتكم ، فأمر بخد فخد لهم ، فألقوا فيه وهم ستة ، وألقى معهم سبعا ضاريا ليأكلهم ، فقال : انطلقوا فلنأكل ولنشرب ، فذهبوا فأكلوا وشربوا ، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ، ولم يخدش منهم أحدا ، ولم ينكأه شيئا ، ووجدوا معهم رجلا ، فعدوهم فوجدوهم سبعة ، فقالوا : ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة ؟ فخرج إليهم السابع ، وكان ملكا من الملائكة ، فلطمه لطمة فصار في الوحش ، فكان فيهم سبع سنين ، لا يراه وحشي إلا أتاه حتى ينكحه ، يقتص منه ما كان يصنع بالرجال ثم إنه رجع ورد الله عليه ملكه ، فكانوا أكرم خلق الله عليه . ثم إن المجوس وشوا به ثانية ، فألقوا أسدا في بئر جانب ، وقام دانيال في جانب لا يمسه ، فأخرجوه ، وقد كان قبل ذلك خد لهم خدا ، فأوقد فيه نارا ، حتى إذا أججها قذفهم فيها ، فأطفأها الله عليهم ولم ينلهم منها شئ . ثم إن بختنصر رأى بعد ذلك في منامه صنما رأسه من ذهب ، وعنقه من شبه ( 2 ) ، وصدره من حديد ، وبطنه أخلاط ذهب وفضة وقوارير ، ورجلاه من فخار ، فبينا هو قائم ينظر ، إذ جاءت صخرة من السماء من قبل القبلة ، فكسرت الصنم فجعلته هشيما ، فاستيقظ فزعا وأنسيها ، فدعا السحرة والكهنة ، فسألهم ، فقال : أخبروني عما رأيت ! فقالوا له : لا ، بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك . قال : لا أدري ، قالوا له : فهؤلاء الفتية الذين تكرمهم ، فادعهم فاسألهم ، فإن هم لم يخبروك بما رأيت فما تصنع بهم ؟ قال : أقتلهم ! فأرسل إلى دانيال وأصحابه ، فدعاهم ، فقال لهم : أخبروني ماذا رأيت ؟ فقال له دانيال : بل أنب أخبرنا ما رأيت فنعبره لك ! قال : لا أدري قد نسيتها ! فقال له دانيال : كيف نعلم رؤيا لم تخبرنا بها ؟ فأمر البواب أن يقتلهم ، فقال دانيال للبواب : إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه ، فأخرنا ثلاثة أيام ، فإن نحن أخبرنا الملك برؤياه وإلا فاضرب أعناقنا ، فأجلهم فدعوا الله ، فلما كان اليوم الثالث أبصر كل رجل منهم رؤيا بختنصر على حدة ، فأتوا البواب فأخبروه ، فدخل على الملك فأخبره ، فقال : أدخلهم علي ، وكان بختنصر لا يعرف من رؤياه شيئا ، إلا شيئا يذكرونه ، فقالوا له : أنت رأيت كذا وكذا ، فقصوها عليه ، فقال : صدقتم ! قالوا : نحن نعبرها لك . أما الصنم